.gif)
تقييدالمأموريات الرئاسية وفتح المأمورية التشريعة والبلدية : اختلال التوازن وآثاره على إعاقة التنمية / الإمام مسلم غالي زين العابدين

من المفارقات الدقيقة التي تستدعي التأمل؛ وتتطلب المراجعة، كيف حدد الدستور الموريتاني المأموريات الرئاسية بمأموريتين، بينما أطلق سقف المأموريات للمنتخبين المحليين، مما ساهم من بين عوامل أخرى عدة نسردها فيما بعد في تعطل أو تباطئ تسارع عجلة التنمية.
ومن المعلوم أن الدستور يأخذ قوته وشرعيته من التصويت التي منحه الشعب، فكل ماكانت مؤسسة تستمد قوتها من تصويت الشعب كانت أكثر قوة ومصداقية.
ولما كان الشعب مطالبا بمراعاة مصالحه العامة بأولوية مقدمة على أي شيء آخر، كان عليه أن ينظر إلى هذه المصلحة بنظر سديد يراعي التوازن في القواعد والنظم القانونية التي تحكم هذه المصالح حتى لايختل هذا التوازن وينعكس سلبا على المصلحة المنتظرة التحقيق.
من المفارقات المضحكة أن البرامج الرئاسية أكثر تشعبا بكثير من البرامج المنتظرة من المنتخبين المحليين، فتحدد المأموريات في الأولى بينما تطلق في الأخيرة حتى غدا بعض المنتخبين لايبرحون مناصبهم
منذ إجراء أول انتخابات بلدية عام 1986وحتى اليوم،
ويعاد انتخابهم في كل مرة، مما يشكل عبئا على التنمية، ويطرح إشكالات جوهرية حول إعادة النظر الجدي والملح في الموضوع من أجل التوازن في النصوص الناظمة لذلك مما ينعكس على حجم الإنجازات المتوخاة من المنتخبين المحليين إيجابيا دون شك.
إن من أبرز الأسباب والعوامل التي تقف عائقا دون تقدم التنمية المحلية هي غياب معيار الكفاءة في المنتخبين- فتح المدة الزمنية لهم؛ منع التناوب؛ غياب الرؤية لدى البعض، فإلى أي مدى يمكن تجاوز هذه العوائق، بتحقق الشروط المطلوبة في كل منتخب؟أولا: غياب معيار الكفاءة في المنتخبين المحليين
إن عدم وضع شروط للترشح لهذه المناصب الانتخابية مثل درجة علمية معينة مثل ليسانس في بعضها أو الماستر في البعض الآخر، يجعلها عرضة لتكون مرتعا لكل من هب ودب، وخصوصا أصحاب النفوذ المالي والاجتماعي والسياسي.
وإن شرط الكفاءة العلمية أو المهنية يجعل صاحبها قادرا على التصور و التخطيط والاستشراف، وفي حالة غياب شرط الكفاءة فإن المناصب الانتخابية تكون زوائد دودية يتكسب أصحابها ماديا ومعنويا منها على حساب التنمية، ويتخبط أصحابها في وحل العشوائية التي لايمكن أن تتحقق في ظلها البرامج الانتخابية.
-ثانيا: فتح المأموريات للمنتخبين المحليين
لاشك أن عدم تحديد المأموريات للمنتخبين المحليين جعلتهم يتساهلون ويتباطؤون في الإنجاز غير آبهين بعامل الوقت، مما جعل بعضهم يعاد انتخابه لخمس أو ستة مأموريات متتالية، نفس الشخص؛ في نفس المنصب، من نفس المنتخِبين تقريبا، دون إنجاز جوهري كبير يضفي صبغة شرعية على هذا التدوير ويجعله مستساغا.
مما يحول العملية الانتخابية من تفويض مؤقت إلى ملك شخصي شبه دائم، بغطاء انتخابي شرعي، تتعدد وتختلف أساليب الحصول عليه.
كما يحول المناصب الانتخابية إلى إكراميات تساهم الدولة في إعطائها للمنتخبين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
-ثالثا: منع التناوب على المناصب الانتخابية
إن من أبرز آثار فتح المأموريات التي تنتج عنها هي منع التناوب والدوري على المناصب الانتخابية المحلية، ولاشك أن لكل منتخَب سلبياته وهفواته لأن العمل البشري لايخلو من تقصير، كما أن لكل منتخب مقارباته التنموية التي تكون صائبة أحيانا وخاطئة في أحايين أخرى، لذلك فإن التناوب على المناصب الانتخابية يتيح التخلص من الأشخاص السلبيين الذين لم يحالفهم الحظ في تحقيق برامجهم الانتخابية.
ويتيح الفرصة لأشخاص آخرين طموحين من أجل تطبيق تجربتهم، لعلها تكون أكثر نجاعة وتساهم في تحقيق إنجازات أكبر، بدل تجربة شخص واحد مما يخلق عملية جمود على تجربة واحدة.
-رابعًا: غياب الرؤية التنموية
لاشك أن غياب الرؤية التنموية لدى بعض المنتخبين المحليين يشكل عائقا حقيقيا دون تحقيق تنمية محلية وإنجاز مشاريع تنموية تلبي حاجة السكان المحليين، الذين هم في حاجة ماسة إلى تحقيق إنجازات تنمية مستديمة ذات بعد عميق، ينظر فيه إلى الأمد البعيد بدل المشاريع الآنية.
ومن المعلوم أن المنتخَبين متحدون في الصفة، لاكنهم مختلفون في التصورات والتخطيط الاستيراتيجي ومدى أولوية المشاريع الانتخابية، لذلك فإنه من الضروري التناوب على المناصب الانتخابية المحلية أكثر إلحاحا من المناصب الانتخابية الرئاسية، فإننا لو افترضنا أننا حصلنا على أكثر من نصف عمد في بلديات ريفية وغير ريفية، بكفاءة عالية وعمق مطلوب ونظر ثاقب، وتخطيط تنموي محكم، كنا أمام عمل جماعي تنموي يحقق نهضة تنموية نصبو إليها وننشدها، ولما احتجنا إلى إنجازات رئاسية ملحة من رئيس محدد المأمورية.
وختاما، فعلى من يسعى إلى نهضة تنموية أن يبدأ بمراجعة النصوص الناظمة للمؤسسات والمصالح الانتخابية التي لها دور تنموي؛ ورقابي ويعجلها أكثر قدرة على القيام بالدور المنوط بها، وتحقيق إنجازات كبيرة ذات الأثر الفوري والإيجابي على السكان المحليين، ويطبقها تطبيقا صارما، بدل جعلها إكراميات لأصحاب النفوذ المالي والاجتماعي والسياسي، وتضيعا للتنمية المحلية بين هذا وذاك، فكيف يمكن تصحيح هذا الاختلال وسد الفراغ؟
